تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي
د.أحمد بن علي البتيت
بحث
مقال

في أموالهم

29 أغسطس 2026 مركزية القرآن

﴿كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ﴾

كان المال في الجاهلية صنمًا، وها قد عاد كما كان. يقيسون به القيمة، ويفرضون به السيطرة، ويستعبدون به الفقراء.

فجاء القرآن ليزكيه وليُطهّره، وليجعل له غاية سامية: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ ٢٤ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ ٢٥﴾ (المَعَارِج) - .

وقال: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٠٣﴾ (التَّوۡبَة) ، ولقد حذّر من تراكم المال في أيدٍ قليلة: ﴿كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ﴾ (الحَشۡر) ، تحذيرًا من التكدس الرأسمالي، ومن تحوّل المال إلى أداة تسلط واحتكار.

وفرض الزكاة نظامًا دائمًا للتوازن: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٦٠﴾ (التَّوۡبَة) .

ليست صدقة تطوعية، ﴿فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ﴾، وجعلها مؤسسة كبيرة داخل المجتمع الإسلامي.

وأعلن الحرب صراحة ضد النظام الربوي الجائر: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨ فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ﴾ (البَقَرَةِ) - . فالربا هو عكس روح القرآن تمامًا: هو الظلم المنظّم باسم القانون، لذلك أعلن الحرب عليه، حرب لا هودة فيها ولا سكون، لأن القرآن يحمي المجتمع، والربا يدمره!

وأعاد تعريف النجاح المالي: ليس من جمع مالًا، بل من أنفقه في سبيل الله، بمفهوم سبيل الله الواسع: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٩٢﴾ (آل عِمۡرَان) ، ﴿وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا ٨﴾ (الإِنسَان) .

إنفاق لا إسراف فيه، وجمع لا ظلم فيه، وحق للفقراء، ومحاسبة يوم الحساب: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧﴾ (الفُرۡقَان) ، ﴿أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ ١ فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ ٢ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ٣﴾ (المَاعُون) - .

القرآن لم يأتِ بنظام نظري محض، بل صاغ مجتمعًا:

الأغنياء فيه سعاة للفقراء،

والمال فيه وسيلة للآخرة،

والثراء فيه مسؤولية لا امتياز،

والبخل جريمة شخصية ومجتمعية، تفاديها نجاح متكامل: ﴿وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٦﴾ (التَّغَابُن) .