بلسان عربي
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ﴾
قبل نزول القرآن، كانت العربية لغة شِعر وخطابة ومفاخرات. قوالبها محفوظة، وأساليبها معروفة، ومفرداتها تدور في فضاء القبيلة والحرب والغزل والثأر.
ثم نزل القرآن، فإذا بالعربية تتحول من لغة التعبير إلى لغة التغيير، من مجرد أداة بلاغية إلى آلة وعي حضاري.
لقد أحدث القرآن في العربية ما يشبه الزلزال الجمالي والعقلي:
غيّر ترتيب المفاهيم.
وأعاد بناء البنية الخطابية.
ووسّع طاقة التعبير.
واختلق مصطلحات ومفاهيم ودلالات عابرة.
لم يكن العرب يُجلّون النثر كما يُجلّون الشعر، الشعر ديوانهم، وزينتهم، ومعيار فصاحتهم.
لكن القرآن نزل بنثر لا يُشبه النثر، لا هو شعر، ولا نثر عادي، بل نمط لغويّ متفرّد، يحمل من الشِعر إيقاعه، ومن النثر فكره، وسلطانه وهيبته وسطوته محيرة! نثرٌ لا تبلّده الخطابة، ولا تجمله الرتابة، بل يهزّ كما تهزّ العاصفة.
﴿وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ ١ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢ وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤ عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ ٥ ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ ٦ وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٧ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ٨ فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ ٩ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ ١٠ مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ ١١ أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ١٢﴾ (النَّجۡم) - .
من يقرأ هذه الآيات يشعر أنها تهدر، تتحرك، لا تُقرأ.. تُسمع لا بل تُحس، تخترق الوجدان، تدخل الأذن فتقلب القلب، وتشدّ العقل إلى نهاية المعنى..
القرآن استخدم المفردات المعروفة في لسان العرب، لكنه صبّ فيها معاني لم تكن معهودة..
الإسلام، الخضوع لله وحده، لا لأي سلطة بشرية.
الفتنة، ليست الزينة لا غير، بل الاختبار والابتلاء بالعقيدة.
النفاق، مفهوم جديد تمامًا، غير مسبوق في أدبيات العرب.
الصراط، طريق لا بمعناه الحسي، بل طريق المصير كله.
الشرك، ليس عبادة الأصنام صرفًا، بل طاعة الطواغيت والتبعية للهوى.
بهذه الطريقة، لم يُنشئ القرآن معجمًا جديدًا، لكنه أعاد برمجة المعجم الموجود.. صار القارئ العربي يرى الكلمات القديمة بعين جديدة، يتكلم بلغته، لكنه يعيش بمعانٍ جديدة.
لقد كانت العرب تتحاشى التكرار في الكلام، خشية التكلّف، لكن القرآن جاء بنمط من التكرار ليس تكرارًا سطحيًا، لكنه تكرار وظيفي: يُثبّت، يُعمّق، يُعالج النفس بهدوء، ويعصف بها مع كل كرّة!
﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ، تتكرر (31 مرة) في سورة الرحمن!
﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ (المُرۡسَلَات) ، تتكرر عشر مرات في سورة المرسلات!
لكن كل تكرار يحمل سياقًا مختلفًا، ونغمة جديدة، ووظيفة بلاغية تؤثر في السامع كضربات مطرقة على حائط الغفلة..
بهذا أصبح الخطاب القرآني "ديناميكيًا"، يتكلم ليُربّي، يُكرر ليُداوي، يُردد كمن يُنشئ بناءً في الداخل..
كان البيان القرآني ذاته أداة قتال فكري وروحي:
يجادل: ﴿قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ (البَقَرَةِ) .
يحاجج: ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ﴾ (الطُّور) .
يُفحِم: ﴿قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ (يُونُس)
يُبكِت: ﴿فَأَيۡنَ تَذۡهَبُونَ﴾ (التَّكۡوِير) ؟!
خطاب محارب، يحمل في كل آية سيفًا يُقطع الباطل، ويغرس وعيًا لا يزول.
السور القصيرة: تطرق كالطبول..
الآيات الطويلة: تنساب كالماء وتثبّت المعنى ببطء..
الفواصل: تترك في النفس أثرًا يفوق المعنى المجرد..
﴿وَٱلضُّحَىٰ ١ وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣ وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ ٤ وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ ٥﴾ (الضُّحَى) -
هنا يشعر السامع أن الله يُناديه بنفسه، أن اللغة تحولت من أداة إلى كائن حيّ يتحدث ويحتضن ويعزّي.. هل شعرت بذلك؟
العرب كانت تعظم اللفظ، يفتخرون بالبيت الشعري المحبوك، دون اعتبار لحقيقته أو أثره.
جاء القرآن وقال: ﴿وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ ٦٩﴾ (يس) .. وما ينبغي له!
ليس لأن الشعر مذموم مطلقًا، لكن لأنه ليس منضبطًا، ولا يصلح أن يكون قاعدة للحق.
جعل القرآنُ البلاغةَ وسيلة، لا غاية.. ومع ذلك فهي أهم مفردات إعجازه، وجعل الجمال في الخطاب مرتبطًا بالصدق والمعنى والوظيفة الأخلاقية.. وهل تجتمع هذه في قصيدة؟!
جاء القرآن بلغته الحديثة إلى أمة من البدو والأميين الذين لا يملكون من الفخر سوى ألسنتهم، فأعجزهم، ثمَّ حوّلهم إلى حملة حضارة، وسادة بيان، ورواد خطاب.
صاروا يُجادلون الروم والفرس بلسانهم الجديد.
ويكتبون بمداد القرآن عهودًا، وخطبًا، ومراسلات، وفقهًا، وشعرًا جديدًا.. مصبوغة بصبغة القرآن، ثم أعطوا العالم كله لغة جديدة اسمها: لغة القرآن..