الإنسان القرآني
﴿عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ ٢ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ ٣﴾
كان الإنسان ممزّق الاتجاهات: عبدًا لمجتمعه، ابنًا لتقاليده، مهووسًا بالبقاء، غارقًا في الغرائز، خائفًا من الغيب، لا يعرف من أين جاء، ولا إلى أين يمضي، تائهًا بين العادة، والغريزة، والسلطة، والخوف، والتقليد.
فخاطبه القرآن ليعيد بناءه من الداخل.. ولم تكن البداية أمرًا بالصلاة، ولا بالحجاب، ولا حتى بالعقيدة المفصّلة، ولم يبدأ بـ "افعل، ولا تفعل"، بل كانت: ﴿ٱقۡرَأۡ﴾ (العَلَق) !
كأنما يقول له: فكّر، تأمل، أفق من سُباتك، كن إنسانًا واعيًا.. ﴿ٱقۡرَأۡ﴾.. النور الأول، والوعي الأول، والإنذار الأول!
بدأ القرآن بإعادة تشكيل "الوعي الإنساني"، وغايته إنسانًا مختلفًا، مُعاد التكوين، جديد النشأة، في روحه، وعقله، ومسؤوليته.
منذ اللحظة الأولى، كان هدف القرآن أن يصنع إنسانًا مختلفًا، ينتمي لله، ويتحرك بوحيه، ويعيش لمعنى، ويحمل رسالة.. لقد شكّل الوحيُ الإنسانَ من جديد بثلاثية فريدة!
الأولى: أنه عبد لله وحده.. ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ﴾ (يُوسُف) ، ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ (البَيِّنَة) . أن تُسلّم روحك ووعيك وسلوكك لله وحده، لا لشيخ، ولا لقبيلة، ولا لرأي جمهور.. ولا لهواك!
هذا الإنسان لا يركع إلا لربه، ولا يتّبع إلا الحق، ولا يعبد هواه ولا الناس.. ﴿أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ﴾ (الفُرۡقَان) . ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ (الفَاتِحَةِ) . لا يركع لسلطة، ولا يتنازل لطاغية، ولا يُمجّد مخلوقًا، ولا يبيع دينه بشهوة.
هو عبدٌ طوعي، كامل الانقياد لله، لكنّه حرّ أمام كل شيء سواه.
إنسانٌ موصول بالله لا بشيخه، يتحرّك بدافع الرسالة لا بالعادات، يُبصر بالوحي لا بالأهواء، يعيش بوعي الآخرة لا تحت سطوة اللحظة. يسأل، يفكر، يتأمل، يتزن، يَعدل، يُصلح.
هو "حر" بالمعنى الأعمق، لا يخاف من المستقبل، ولا يتبع الجماعة حيث تميل عن الحق، ولا يتعبّد بالتقاليد حيث سادت.
الثانية: أنه مسؤول عن نفسه أمام الله.. ﴿كُلُّ نَفۡسِ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ ٣٨﴾ (المُدَّثِّر) ، لا يُساق كما يُساق القطيع، ولا يضع اللوم على غيره، بل يعرف أنه واقف وحده بين يدي الله، فلا يلقي بالتبعة على الآخرين. يتحمّل مسؤوليته، ﴿وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ ٢٤﴾ (الصَّافَّات) .
لا يُقلد بلا برهان.. ﴿قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ (النَّمۡل) ، عاقل متفكر لا مقلد غافل، ﴿أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ (يُونُس) ، ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأَنۡعَام) . فلا يُسلّم ذهنه لغير حقائق الوحي.. ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ﴾ (الإِسۡرَاء) .
الثالثة: أنه حامل رسالة لا يعيش لنفسه، ولا يكتفي بصلاحه هو فقط.. ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ﴾ (آل عِمۡرَان) .
حياته ليست لأكل وشرب ونوم وترقٍّ وظيفي.. بل لرسالة: يُصلح، يبلّغ، يبني، يشهد على الناس.. ﴿وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ﴾ (الحَج) .
يرى أن نجاته الخاصة لا تكفي، بل يحمل في قلبه همّ العالم:
يدعو إلى الخير: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾ (آل عِمۡرَان) .
يُنكر المنكر: ﴿وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ﴾ (التَّوۡبَة) .
ويشهد للحق: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ (البَقَرَةِ) .
متصل بالآخرة، متجاوز للحظته.. ﴿مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأٓتٖۚ﴾ (العَنكَبُوت) ، ﴿وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ﴾ (القَصَص) .
يعيش الحياة بميزان البقاء، لا الفناء، لا يُغويه وهج اللحظة، يرى ما بعد الموت كما يرى الحاضر!
والقرآن لا يرضى بأنصاف البناء: متدين ويغش أو صالح يتقوقع أو ناصح لكنه نرجسي أو مثقف لكنه مائع!
إنه يريد إنسانًا كامل البِنية، جمع بين: عمق العقيدة ونبل الخلق، واتساع العقل، وجدية الحياة، وجهاد الإصلاح..
فلا يقبل الظلم ولا يسكت عليه: ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ﴾ (النِّسَاء) .
يملك صوتًا، وموقفًا، وشهادة، لا يهادن الظالم، ولا يُزيّن الفساد، ولا يصمت عن الباطل: ﴿وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣﴾ (هُود) .
متزنًا في نفسه، ربانيًّا في سلوكه: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا ٦٣﴾ (الفُرۡقَان) ، ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤﴾ (آل عِمۡرَان) .
لا يغرق في الحزن، ولا يطغى بالفرح، ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾ (الحَدِيد) .
لا يُقاد بعاطفته ولا بحرارة عداواته، بل بميزان العدل.. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٨﴾ (المَائـِدَة) .
والقرآن لم يشكّل هذا الإنسان بضغطة زر، ولا بخطاب حماسي.. بل بمنهج طويل النفس، شديد التركيب:
بالبصائر، كان يخاطب الروح: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ٩﴾ (الشَّمۡس) ، ويخاطب العقل: ﴿لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ (البَقَرَةِ) ، ويخاطب الفطرة: ﴿فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ﴾ (الرُّوم) .
وبالأمثلة الواقعية: نوح صابر، ويوسف العفيف، موسى غاضب للحق، وإبراهيم متفكر، ومحمد ﷺ جامع لكل ذلك.
وبالتدرج والتزكية: يُعلّم، يُذكّر، يُصوّر المصير، يُربّي الضمير، يُصفّي القلب.. ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ﴾ (الإِسۡرَاء) .
لتسأل الآن: هل أنا ذلك الإنسان المؤمن الذي يريده القرآن؟! أم "إنسان" متدين بلا وعي، أو صالح بلا رسالة، أو مثقف بلا يقين؟